حوار صحفي: الثروة السمكية في السودان من منظور بيت التنمية السوداني.. التحديات والحلول وآفاق التنمية
أخباركم نيوز

حوار صحفي: الثروة السمكية في السودان من منظور بيت التنمية السوداني.. التحديات والحلول وآفاق التنمية
حوار : إعتصام عثمان
يمثل قطاع الثروة السمكية أحد الروافد الواعدة لتحقيق الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني في السودان، في ظل ما تمتلكه البلاد من موارد مائية وإمكانات طبيعية كبيرة. ورغم هذه المقومات، لا تزال تحديات الإنتاج والاستثمار والتسويق تحول دون استغلالها بالصورة المطلوبة. فما الذي يحتاجه هذا القطاع للنهوض؟ وأين تكمن فرص تطويره؟
في هذا الحوار، نحاور المهندس عمر حامد أحمد خبير الاستزراع السمكي ومدير إدارة قطاع الأسماك ببيت التنمية السوداني، للوقوف على واقع الثروة السمكية، ومناقشة أبرز التحديات التي تواجه القطاع، واستكشاف الحلول وآفاق التنمية.
1. ما أبرز العوامل التي تحول دون الاستفادة من الموارد السمكية المتاحة في السودان؟
يمتلك السودان موارد سمكية كبيرة، خاصة في نهر النيل وروافده والخزانات والمسطحات المائية، الحفائر والنوع الرئيسية للمشاريع الزراعية بالإضافة إلى برنامج حصاد المياه، والبحر الأحمر إضافة إلى إمكانات واسعة للاستزراع السمكي. لكن الاستفادة منها ما زالت محدودة بسبب ضعف البنية التحتية، وقلة الاستثمارات، وضعف وسائل الصيد والنقل والحفظ والتبريد، إلى جانب محدودية المصانع والأسواق السمكية ومصانع الأعلاف، ومفرخات حديثة للأسماك، وعدم إدخال أنماط جديدة من نظم الاستزراع السمكي الحديثة الأكوابنيك، والبايلوفك،
كما أن ضعف الإحصاءات والمعلومات عن المخزون السمكي وحجم الإنتاج الحقيقي يجعل التخطيط صعباً. وهناك أيضاً مشكلات مرتبطة بالتسويق والتنظيم والرقابة، إضافة إلى تأثير الحرب التي أضعفت كثيراً من الأنشطة الإنتاجية وسلاسل الإمداد.
عدم وجود خطط استراتيجية مدروسة من قبل الدولة للاستفادة من الأسماك على مستوى الحكومة الاتحادية.
2. ما أبرز المعوقات الفنية والاقتصادية التي تواجه تطوير الاستزراع السمكي في السودان؟
نحن في بيت التنمية السوداني نعمل على إيجاد ووضع الكثير من الحلول التي تواجه هذا القطاع على مستوى تمليك المجتمع وحدات إنتاجية.
ومن أهم المعوقات الفنية نقص الخبرات المتخصصة في بعض المناطق، وضعف خدمات الإرشاد والتدريب، وعدم توفر الزريعة الجيدة بصورة منتظمة، وضعف البنية التحتية للأحواض والمفرخات ومصادر المياه والطاقة أهم مشكلة في السودان.
أما اقتصادياً، فأبرز التحديات هي ارتفاع أسعار الأعلاف، والطاقة، ومعدات التهوية والضخ، وارتفاع تكاليف النقل، وصعوبة الحصول على التمويل. كما أن عدم استقرار السوق وأسعار المدخلات يجعل المستثمر متردداً في الدخول في مشاريع كبيرة.
وأرى أن تطوير الاستزراع السمكي يحتاج إلى الانتقال من المشاريع الفردية الصغيرة إلى سلاسل إنتاج متكاملة (برامج) تشمل المفرخات والزريعة والأعلاف والإنتاج والتصنيع والتسويق، وهذا ما يميز بيت التنمية السوداني وهو العمل بنظام البرامج.
3. كيف يمكن خفض تكاليف إنتاج الأسماك في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة؟
أكبر بند في تكلفة إنتاج الأسماك عادة هو العلف، ولذلك فإن تحسين معامل التحويل الغذائي FCR من أهم وسائل خفض التكلفة. فلا يكفي أن نبحث عن علف رخيص؛ الأهم أن يكون العلف جيداً ويعطي نمواً جيداً بأقل كمية ممكنة.
ويمكن خفض التكلفة من خلال إنتاج جزء من مكونات الأعلاف محلياً، وتحسين إدارة التغذية، واستخدام التغذية حسب الوزن ودرجة الحرارة وجودة المياه، وتقليل الهدر.
أما الطاقة، فيمكن خفضها باستخدام مضخات وبدالات ومنافخ ذات كفاءة عالية، وتشغيل التهوية وفق احتياج الأسماك وتركيز الأكسجين، والاستفادة من الطاقة الشمسية في عمليات الضخ والتهوية حيثما كان ذلك اقتصادياً.
كما أن رفع الإنتاجية من وحدة المياه والمساحة من أهم طرق خفض تكلفة الكيلوغرام المنتج.
4. ما أبرز الدروس التي اكتسبتها من تجربتك العملية في إنتاج البلطي النيلي؟
أهم درس تعلمته هو أن نجاح مشروع البلطي لا يعتمد على السمك وحده، وإنما على إدارة المنظومة كاملة: جودة الزريعة، وجودة المياه، والتغذية، والأكسجين، والكثافة، والصحة السمكية، والتسويق.
كما تعلمت أن البلطي النيلي سمك قوي وقادر على تحمل ظروف مختلفة، لكنه ليس بمعزل عن الإدارة الجيدة. ارتفاع الحرارة أو الأمونيا أو انخفاض الأكسجين يمكن أن يحول المشروع من مشروع ناجح إلى مشروع خاسر خلال فترة قصيرة.
ومن أهم الدروس أيضاً أن الوقاية أرخص بكثير من العلاج، وأن تسجيل البيانات اليومية للحوض ــ مثل النفوق، كمية العلف، الوزن، الأكسجين ودرجة الحرارة ــ يساعد مدير المشروع على اتخاذ قرارات مبنية على أرقام وليس على التقدير فقط.
5. ما أبرز التحديات التي تواجه تسويق الأسماك ونقلها من مناطق الإنتاج إلى الأسواق؟
المشكلة الأساسية تبدأ من عدم وجود سلسلة تبريد متكاملة من موقع الإنتاج حتى المستهلك. فالأسماك منتج سريع التلف، وأي تأخير في التبريد أو النقل يؤدي إلى انخفاض الجودة وارتفاع الفاقد.
هناك أيضاً ارتفاع تكلفة الوقود والنقل، وبعد مناطق الإنتاج عن الأسواق الرئيسية، وضعف مراكز التجميع والتصنيع والحفظ، إضافة إلى عدم انتظام العرض والطلب.
والحل في بيت التنمية السوداني وهو لا يتمثل فقط في زيادة الإنتاج؛ بل يجب أن نطور سلسلة القيمة كاملة: حصاد، فرز، تبريد، تعبئة، نقل مبرد، تصنيع، ثم تسويق. فزيادة الإنتاج دون تطوير التسويق قد تؤدي إلى انخفاض سعر المنتج وخسارة المربي.
6. كيف أثرت الحرب على أنشطة الإنتاج السمكي وسلاسل إمداده في السودان؟
الحرب اللعينة أثرت بصورة مباشرة على قطاع الأسماك تأثيراً كبيراً، مثلها مثل معظم القطاعات الإنتاجية. فقد أدت إلى صعوبة الحركة بين مناطق الإنتاج والأسواق، وارتفاع تكلفة الوقود والنقل، وتعطل بعض المشاريع والمنشآت، وصعوبة وصول الأعلاف والزريعة وفقدان قطيع الأمهات الكان موجود في بعض المفرخات الرئيسية والمعدات.
كما أثرت الحرب على سلاسل التبريد والتسويق، وأدت في بعض المناطق إلى فقدان الأسواق أو صعوبة الوصول إليها.
7. ما التجارب الدولية التي يمكن أن يستفيد منها السودان في تطوير الاستزراع السمكي؟
يمكن للسودان الاستفادة من تجارب دول مثل مصر والصين، والسعودية، خاصة في مجال المفرخات وإنتاج الزريعة، وتحسين الأعلاف، وإدارة الأحواض، والتصنيع والتسويق.
لكن لا أعتقد أن السودان يجب أن ينسخ تجربة دول أخرى بصورة كاملة؛ لأن موقع السودان جاذب لتربية الأسماك أكثر بكثير من الدول المذكورة أعلاه، لكل دولة ظروفها من حيث المياه والمناخ والأسواق والموارد.
الأفضل هو توطين التقنيات والاستفادة من التجارب الناجحة بما يتناسب مع البيئة السودانية، مع التركيز على البلطي النيلي، وتحسين السلالات، وإنتاج الزريعة محلياً، وتطوير الأعلاف، واستخدام التقنيات الحديثة في مراقبة جودة المياه وإدارة المزارع. السودان يملك مقومات الاستزراع الرئيسية مثل الأرض والماء والمناخ المعتدل، لكن السودان يفقد عدم توفر الطاقة اللازمة.
8. ما الفرص المتاحة أمام الشباب لدخول مجال الاستزراع السمكي بإمكانات مالية محدودة؟
الاستزراع السمكي ليس بالضرورة مشروعاً يحتاج إلى رأس مال كبير. يمكن للشباب البدء بمشاريع صغيرة، مثل تربية البلطي في أحواض محدودة المساحة، أو إنتاج الزريعة، أو إنشاء وحدات حضانة، أو تصنيع الأعلاف، أو تقديم خدمات صيانة وتشغيل أنظمة التهوية والضخ.
كما توجد فرص في الخدمات المساندة: نقل الأسماك، التسويق، التبريد، تصنيع وتجهيز الأسماك، الاستشارات، مراقبة جودة المياه، وإدارة المزارع.
والأهم أن يبدأ الشاب بمشروع يتناسب مع رأس ماله وخبرته، ثم يتوسع تدريجياً. ويمكن أن يكون العمل الجماعي من خلال التعاونيات وسيلة مهمة لتقليل تكلفة المعدات والأعلاف والتسويق. وخاصة مع قيام مدن الإنتاج الحيواني في بعض الولايات، ممكن تكون فرصة للشباب لإنشاء مشاريع سمكية ضمن مدن الإنتاج، قيام المفرخات ومصانع الأعلاف.
9. ما الإجراءات اللازمة لتنظيم الصيد وضمان استدامة الموارد السمكية في السودان؟
نحتاج أولاً إلى تحديث قوانين الصيد التي مر عليها قرن من الزمن مثلاً القانون الاتحادي للمياه المالحة من عام 1937 وقانون المياه العذبة من عام 1954، والمشكلة الأساسية تكمن في قوانين الولايات لكل ولاية قانون منفصل من الولاية الأخرى، هنالك ولاية تطلب الإيرادات فقط دون النظر إلى حماية المورد، علماً بأن الأسماك ليس لها حدود بين ولاية وأخرى ولا توجد بها إير تاك مثلاً الحيوانات الأخرى بالإضافة إلى تفعيل الرقابة عليها، مع تحديد مواسم الصيد ومناطق الحظر وأحجام الشباك المسموح بها، ومنع صيد الأسماك الصغيرة والأمهات في مواسم التكاثر.
كما يجب إجراء مسوحات علمية دورية لمعرفة حالة المخزون السمكي وتحديد مستويات الصيد الآمنة، مع إشراك الصيادين والمجتمعات المحلية في إدارة الموارد.
ومن الضروري أيضاً مكافحة الصيد الجائر والوسائل غير القانونية، وحماية مناطق التفريخ والحضانة، والحد من تلوث المسطحات المائية.
وأرى أن الهدف ليس منع الصيد، وإنما تنظيمه بطريقة تضمن استمرار المورد. فالثروة السمكية ملك للأجيال الحالية والقادمة، والإدارة العلمية المستدامة هي الطريق لتحويلها من مورد غير مستغل بصورة كافية إلى قطاع اقتصادي وغذائي مهم للسودان.
10. كيف يمكن لبيت التنمية السوداني الإسهام في تحويل فرص الاستزراع السمكي إلى مشروعات إنتاجية قابلة للتنفيذ؟
يمكن لبيت التنمية السوداني أن يلعب دوراً مهماً في الانتقال من طرح الأفكار والفرص إلى البرامج المتكاملة الحقيقية على الأرض، وذلك ما نعمل على إعداده الآن من خلال إعداد دراسات جدوى مبسطة وعملية، وتحديد المواقع المناسبة، وتوفير النماذج الفنية والتكاليف التقديرية، وربط أصحاب الأفكار بالمستثمرين والجهات التمويلية.
كما يمكننا المساهمة في تدريب الشباب والمنتجين على إدارة المزارع، وإنتاج الزريعة، والتغذية، وجودة المياه، والتسويق، مع إنشاء نماذج تجريبية صغيرة يمكن تطويرها لاحقاً.
ونحن في بيت التنمية السوداني بصدد إقامة “مشروع نموذجي قابل للتكرار”؛ أي تنفيذ مشروع ناجح بتكلفة مدروسة، وتوثيق نتائجه، ثم نقل النموذج إلى مناطق أخرى. بهذه الطريقة يتحول الاستزراع السمكي من فرصة نظرية إلى نشاط اقتصادي يولد الغذاء والدخل وفرص العمل.
11. ما المشروع الذي ترونه أولوية للنهوض بقطاع الاستزراع السمكي في السودان خلال السنوات الثلاث المقبلة؟
أرى أن الأولوية خلال السنوات الثلاث المقبلة هو توجيه المجتمع نحو استثمار واستغلال الموارد السمكية الوطنية، ثم إنشاء برنامج قومي متكامل لإنتاج البلطي النيلي يبدأ من إنتاج الزريعة المحسنة وحيدة الجنس، ويمر بالتسمين في المزارع، وينتهي بالتسويق والتصنيع.
ولا أقصد إنشاء مزرعة واحدة ضخمة، وإنما إنشاء نماذج إنتاجية متكاملة في عدة ولايات ومناطق مناسبة، بحيث تشمل مفرخاً لإنتاج الزريعة، ومزارع نموذجية للتسمين، ونظاماً لتوفير الأعلاف، وسلسلة تبريد وتسويق.
والسبب أن البلطي النيلي يمكن أن يمثل نقطة انطلاق عملية للأمن الغذائي السمكي في السودان، خاصة إذا تم تحسين الإنتاجية وخفض معامل تحويل العلف وتقليل تكلفة الطاقة والاستفادة من الموارد المائية المتاحة.
الهدف خلال ثلاث سنوات يجب ألا يكون مجرد زيادة عدد المزارع، بل بناء نموذج سوداني ناجح يمكن قياسه وتكراره والتوسع فيه؛ نموذج يثبت بالأرقام أن إنتاج الأسماك يمكن أن يكون مشروعاً اقتصادياً مربحاً، ومصدراً للغذاء والعمل، وقابلاً للاستثمار من القطاع الخاص والشباب والمجتمعات المحلية.
كل الشكر والتقدير للمهندس عمر حامد أحمد مدير قطاع الأسماك ببيت التنمية السوداني على سعة صدره، ومشاركته القيمة، وما قدمه من رؤى وخبرات أثرت هذا الحوار.







